النمو من أسهل الأشياء التي تحتفل بها الشركات.

عملاء أكثر. إيرادات أعلى. منتجات أكثر. أسواق جديدة. وموظفون أكثر.

ترتفع الأرقام، وتتبعها الإعلانات والاحتفالات، ويبدو أن الشركة تسير في الاتجاه الصحيح.

لكن النمو والتقدم ليسا الشيء نفسه.

النمو يخبرك بأن شيئًا ما يزداد. أما التقدم، فيخبرك بأن هذه الزيادة تقودك إلى وجهة تستحق الوصول إليها.

قد تنجح شركة في زيادة عدد عملائها، بينما تتراجع جودة تجربتهم. وقد ترفع إيراداتها، لكن على حساب ربحيتها. وقد تطلق منتجات جديدة، بينما تجعل عرض القيمة الذي تقدمه أقل وضوحًا. وقد تدخل أسواقًا جديدة، فتضعف النشاط الذي صنع نجاحها في البداية.

النشاط حقيقي، وقد يكون النمو حقيقيًا أيضًا. لكن القيمة الاستراتيجية الناتجة عنهما ليست مضمونة.

مشكلة قياس ما يسهل احتسابه

تحتاج الشركات إلى الأرقام. فالإيرادات، والاحتفاظ بالعملاء، ومعدلات التحويل، والحصة السوقية، وتكلفة اكتساب العميل؛ كلها مؤشرات تساعد القيادات على فهم الأداء واتخاذ القرارات.

تبدأ المشكلة عندما يتحول المؤشر من وسيلة للقياس إلى هدف بحد ذاته.

عندما تُقيَّم الفرق بناءً على عدد العملاء المحتملين الذين تجلبهم، قد تركز على الكمية بدلًا من الجودة. وعندما يُقاس النجاح بعدد المنتجات التي تُطلق، قد تصبح الأولوية للإطلاق بدلًا من تبنّي المنتجات واستخدامها فعليًا. وعندما يصبح النمو هو الهدف المهيمن، قد تتراجع القرارات التي تحسّن الأعمال تدريجيًا أمام قرارات تجعل الأرقام تبدو أفضل بسرعة.

المشكلة هنا ليست بالضرورة في القياس، بل في غياب الربط بين ما نقيسه والغاية التي نريد تحقيقها.

يمكن للرقم أن يخبرك بما تغيّر، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرك إن كان هذا التغيير مهمًا فعلًا.

أحيانًا يخفي النمو المشكلة الحقيقية

النمو مقنع، خصوصًا لأنه قد يجعل نقاط الضعف الأساسية أقل وضوحًا.

قد تعوّض شركة ضعف الاحتفاظ بالعملاء من خلال استقطاب عملاء جدد باستمرار. وقد تحاول معالجة غموض تموضعها التسويقي بزيادة الإنفاق الإعلاني. وقد تواجه ضعف تميّزها بإضافة المزيد من الخصائص إلى منتجاتها. وقد تتوسع في أسواق جديدة لتتجنب مواجهة حقيقة أن نموذج أعمالها لا يعمل بالكفاءة المتوقعة.

كل خطوة من هذه الخطوات قد تنتج نشاطًا ملموسًا، بل وقد تحقق نتائج قصيرة المدى.

لكن إذا بقيت المشكلة الأساسية كما هي، فالشركة لا تعالجها؛ بل تبني حولها.

ومع مرور الوقت، تصبح تكلفة ذلك أعلى. فالمزيد من العملاء يحتاجون إلى دعم أكبر، والمزيد من المنتجات يخلق تعقيدًا إضافيًا، والأسواق الجديدة تستهلك موارد أكثر. تكبر المؤسسة، لكنها تصبح أيضًا أصعب في الإدارة والتشغيل.

وهكذا، بدلًا من أن يحل النمو المشكلة، قد يزيد حجمها.

نبتتان في أصيصين جنبًا إلى جنب: واحدة متشابكة ومفرطة النمو، والأخرى صغيرة وسليمة تعلوها ورقة حمراء

التقدم يحتاج إلى اتجاه واضح

التقدم لا يعني فقط أن تفعل المزيد مما نجح سابقًا. بل يتطلب فهمًا أوضح لما تحاول الشركة أن تصبح عليه.

وهذا يعني طرح أسئلة مختلفة.

ليس فقط: كم حققنا من النمو؟

بل أيضًا: ما الذي أصبح أسهل على عملائنا؟ كيف تحسنت اقتصاديات أعمالنا؟ ما القدرات الجديدة التي بنيناها؟ ما المخاطر التي خفّضناها؟ وما الذي تعلمناه ويجب أن يغيّر قرارنا القادم؟

هذه الأسئلة تربط النتائج بالاتجاه الذي تسير فيه الشركة.

كما أنها تجعل المفاضلات الاستراتيجية أكثر وضوحًا. فقد تختار الشركة إبطاء اكتساب العملاء لتحسين الاحتفاظ بهم. وقد تؤجل إطلاق منتج جديد لتطوير التجربة الأساسية. وقد تنسحب من سوق معينة حتى تركز على العملاء الذين تستطيع خدمتهم بأفضل صورة.

قد تبدو هذه القرارات وكأنها تبطئ النمو على المدى القصير، لكنها قد تمثل تقدمًا حقيقيًا.

الفرق يظهر في القرار التالي

يصبح التمييز بين النمو والتقدم مفيدًا عندما يؤثر في القرار الذي ستتخذه الشركة بعد ذلك.

إذا كانت الإيرادات ترتفع بينما تتراجع هوامش الربح، فهل ينبغي الاستمرار في استهداف العملاء أنفسهم؟

وإذا زاد استخدام المنتج، لكن العملاء ما زالوا يواجهون صعوبة في تحقيق أهدافهم، فهل يُعد الاستخدام وحده مقياسًا مناسبًا للنجاح؟

وإذا كانت الشركة تتوسع بسرعة، لكنها تفقد وضوح الأسباب التي تجعل العملاء يختارونها، فما الذي تقوم بتوسيعه فعلًا؟

الفكرة ليست التشكيك في أهمية النمو. فالنمو ضروري، والشركات تحتاج إلى التوسع والمنافسة وخلق قيمة اقتصادية.

الفكرة هي ألّا نتعامل مع النمو باعتباره دليلًا تلقائيًا على نجاح الاستراتيجية.

فالقياس الأفضل للنجاح لا ينظر فقط إلى حجم ما حققته الشركة، بل إلى ما أصبحت قادرة على فعله، وما إذا كانت هذه القدرة تصنع قيمة مستدامة.

لأن الشركة الأكبر ليست بالضرورة الشركة الأقوى.

والرقم الذي يرتفع ليس بالضرورة دليلًا على التقدم.

النمو يخبرك بمقدار ما تغيّر، أما التقدم فيخبرك إن كان هذا التغيير يستحق أن يحدث.