معظم الشركات لديها استراتيجية.
قد تكون موجودة في عرض تقديمي، أو وثيقة تخطيط، أو اجتماع للقيادة، أو مجموعة من الأهداف السنوية. وهي تصف الوجهة التي تريد الشركة الوصول إليها، وما تطمح إلى تحقيقه، والطريقة التي تنوي اتباعها.
قد تكون الوثيقة مدروسة بعناية، والطموحات حقيقية، والأهداف قابلة للقياس.
لكن هناك سؤالًا أهم:
هل تغيّر هذه الاستراتيجية ما تفعله الشركة فعليًا؟
إذا كانت الإجابة لا، فقد تمتلك الشركة خطة، وأهدافًا، واتجاهًا مكتوبًا في مكان ما.
لكنها لم تتخذ بالضرورة قرارًا استراتيجيًا حقيقيًا.
تظهر الاستراتيجية في القرارات
قد تقول شركة إن تجربة العميل هي أولويتها، بينما تستمر في مكافأة الفرق بناءً على المبيعات قصيرة المدى فقط.
وقد تعلن أن الابتكار في صميم توجهها، بينما تخصص معظم مواردها للمحافظة على منتجاتها الحالية.
وقد تصف نفسها بأنها تتمحور حول العميل، بينما تتخذ قراراتها بناءً على ما يناسبها داخليًا، بدلًا من احتياجات عملائها.
في كل حالة، هناك اختلاف بين الاستراتيجية المعلنة والواقع التشغيلي.
هنا تتوقف الاستراتيجية عن كونها مجرد وسيلة للتواصل، وتصبح ممارسة إدارية حقيقية.
الأولوية الفعلية تغيّر طريقة توزيع الموارد، وكيفية قياس النجاح، والمشاريع التي تحظى بالاهتمام، والفرص التي تقرر الشركة عدم استغلالها.
إذا استمرت جميع المبادرات في الحصول على الاهتمام والموارد نفسيهما كما في السابق، فمن المشروع أن نسأل: هل تغيّرت الأولويات فعلًا؟
لكل استراتيجية تكلفة
اختيار اتجاه معين يعني قبول أن اتجاهات أخرى ستحصل على اهتمام أقل.
وهذا ليس سهلًا؛ لأن الشركات تعمل في بيئات مليئة بالفرص. يظهر سوق جديد، أو يطلق منافس منتجًا، أو يطلب أحد العملاء ميزة إضافية، أو تظهر تقنية جديدة تعد بتغيير القطاع بأكمله.
قد تبدو كل فرصة منطقية إذا نظرنا إليها بصورة منفصلة.
لكن التحدي الحقيقي هو تقييمها مقارنة بما قررت الشركة مسبقًا أنه الأكثر أهمية.
قد تكون المبادرة الجديدة جذابة، لكنها تشتت الانتباه عن الهدف الأساسي. وقد يكون طلب العميل مشروعًا، لكنه لا يتوافق مع اتجاه المنتج. وقد يحقق سوق جديد إيرادات إضافية، لكنه يتطلب قدرات لم تبنها الشركة بعد.
الاستراتيجية لا تتعلق فقط بالتعرف على الفرص، بل بتحديد الفرص التي تستحق الوقت والمال والاهتمام المحدود الذي تمتلكه المؤسسة.
فتكلفة الاختيار الاستراتيجي لا تقتصر على ما تنفقه لتحقيقه، بل تشمل أيضًا ما لم يعد بإمكانك فعله لأنك اخترته.

التوافق أكبر من مجرد الاتفاق
تفترض فرق القيادة أحيانًا أن الاستراتيجية أصبحت متوافقة داخل الشركة لأن الجميع وافقوا عليها خلال الاجتماع.
لكن الاتفاق في الاجتماع لا يعني بالضرورة وجود توافق في الممارسة.
يظهر التوافق الحقيقي عندما تتخذ الفرق المختلفة قرارات متسقة، من دون الحاجة إلى إعادة التفاوض حول الاستراتيجية كلما ظهرت مفاضلة جديدة.
يفهم التسويق الفئة التي تستحق التركيز. وتعرف المبيعات الفرص التي تتوافق مع توجه الشركة. ويدرك فريق المنتج مشكلات العملاء التي تستحق الأولوية. وتعرف العمليات ما الذي يجب على المؤسسة تقديمه باستمرار وبالمستوى المطلوب.
ليس مطلوبًا من جميع الفرق أن تنفذ العمل نفسه، بل أن تتخذ قرارات تعزز الاتجاه ذاته.
من دون هذا الترابط، قد يحقق كل قسم أهدافه الخاصة، بينما تتحرك الشركة ككل في اتجاهات متعارضة.
وهذا لا يعني بالضرورة ضعف التنفيذ؛ فقد تكون المشكلة أن الاستراتيجية لم تتحول أصلًا إلى خيارات مشتركة بين الفرق.
يجب أن تصمد الاستراتيجية أمام الواقع
الاستراتيجية ليست وعدًا بأن الخطة الأصلية لن تتغير أبدًا.
الأسواق تتغير، وسلوك العملاء يتطور، والمنافسون يستجيبون، وتظهر أدلة جديدة.
يجب أن تكون الاستراتيجية الجيدة واضحة بما يكفي لتوجيه القرارات، ومرنة بما يكفي للاستجابة عندما تتغير المعطيات.
وهنا يجب التمييز بين تغيير الاتجاه لأن الأدلة الجديدة تبرره، وتغييره لأن المؤسسة فقدت تركيزها.
عندما يغيب المنطق الاستراتيجي الواضح، يمكن لكل فرصة جديدة أن تتحول إلى أولوية، ولكل نتيجة مخيبة للآمال أن تؤدي إلى مبادرة جديدة.
تبقى الشركة نشطة، لكن جهودها تصبح مشتتة.
أما الاستراتيجية القوية، فتمنح الشركة أساسًا واضحًا لتحديد ما يجب تعديله وما يجب الحفاظ عليه.
وتساعدها على التمييز بين تغيير في البيئة يستدعي الاستجابة، ومجرد تشتيت يستحوذ على الانتباه.
اختبار عملي لأي استراتيجية
لا تحتاج إلى عرض استراتيجي جديد حتى تعرف ما إذا كانت استراتيجيتك تعمل.
انظر إلى القرارات التي اتخذتها المؤسسة مؤخرًا.
ما الذي توقفت عن فعله؟ أين ركزت مواردها؟ ما الفرصة التي قررت رفضها؟ ما الذي اختارت تحسينه رغم أن نتائجه لن تظهر فورًا؟ وأي احتياج للعميل ينتصر باستمرار عندما تتنافس الأولويات؟
تكشف هذه القرارات عن الاستراتيجية الحقيقية أكثر مما تكشفه قائمة الطموحات والوعود.
فهي تظهر ما الذي تستعد الشركة فعلًا لمنحه الأولوية، وتمويله، وحمايته، والتضحية بغيره من أجله.
وإذا لم تكن الإجابات واضحة، فهذه بحد ذاتها معلومة مهمة. فقد تحتاج الاستراتيجية إلى مزيد من التحديد، أو قد تكون المؤسسة لم تنجح بعد في تحويلها إلى ممارسة يومية.
الهدف من الاستراتيجية ليس إنتاج وثيقة تصف مستقبلًا مرغوبًا.
بل بناء منطق مشترك يساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات أفضل في الحاضر.
تصبح الاستراتيجية حقيقية عندما تغيّر ما تختار الشركة فعله، وما تقرر ألّا تفعله عمدًا.




