كلمة «استراتيجية» من الكلمات التي نستخدمها كثيرًا في عالم الأعمال، إلى درجة أنها أحيانًا تفقد معناها الحقيقي.
تقريبًا، كل شركة لديها استراتيجية.
قائمة أهداف. خارطة طريق. مجموعة من الأولويات. وعرض تقديمي يشرح إلى أين تريد الشركة الوصول.
لكن وجود كل هذه الأشياء لا يعني بالضرورة أن الشركة لديها استراتيجية فعلية.
أحيانًا، كل ما لديها هو قائمة طويلة بالأشياء التي تريد إنجازها.
وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يصبح كل شيء أولوية
تخيّل شركة تريد النمو.
تقرر دخول أسواق جديدة، وإطلاق منتجات إضافية، وتحسين تجربة العملاء، والاستثمار في التقنية، وتقوية علامتها التجارية، وزيادة العملاء المحتملين والمبيعات.
كل مبادرة تبدو منطقية بمفردها.
وكل قسم يستطيع شرح أهمية مشروعه.
خارطة الطريق طموحة، والعرض التقديمي مقنع، والجميع لديه ما يعمل عليه.
لكن بعد ستة أشهر، يكون التقدم أبطأ من المتوقع.
الميزانيات موزعة على نطاق واسع. الفرق مشغولة. القرارات تستغرق وقتًا أطول، والمشاريع المهمة تتنافس على الأشخاص والموارد أنفسهم.
الشركة تنفّذ المزيد من الأعمال، لكنها لا تتقدم بالقدر الذي توقعته.
قد لا تكون المشكلة في جودة المبادرات نفسها.
قد تكون في غياب الاختيارات الواضحة بينها.
عندما تكون جميع الأمور مهمة بالقدر نفسه، لا يحصل أي منها على الاهتمام الذي يحتاجه لينجح.
الاستراتيجية تبدأ بالاختيار
الاستراتيجية المفيدة لا تكتفي بوصف المستقبل الذي تريد الوصول إليه.
بل تحدد الخيارات التي ستوصلك إليه.
من هم العملاء الأكثر أهمية بالنسبة لنا؟
ما المشكلات التي تستحق أن نحلها؟
أين نستطيع بناء ميزة حقيقية؟
ما الفرص التي تستحق الاستثمار الآن، وما الذي يمكن تأجيله؟
هذه الأسئلة ليست سهلة، لأن كل اختيار حقيقي يعني وجود بدائل لن نسعى وراءها.
اختيار سوق معين قد يعني تأجيل دخول سوق آخر.
الاستثمار في منتج قد يعني تأخير مبادرة مختلفة.
وخدمة شريحة محددة من العملاء بشكل استثنائي قد تعني تقبّل أننا لن نستطيع أن نكون كل شيء للجميع.
وهذا ليس بالضرورة قيدًا.
بل هو ما يجعل التركيز ممكنًا.
تصبح الاستراتيجية ذات معنى عندما تغيّر ما تختار الشركة أن تفعله، وما تختار ألّا تفعله.
التكلفة الخفية للموافقة على كل شيء
نادراً ما تتعثر الشركات لأنها لا تملك فرصًا.
في كثير من الأحيان، تتعثر لأنها تجد صعوبة في رفضها.
تظهر شراكة واعدة. يطلق منافس منتجًا جديدًا. يطلب عميل ميزة إضافية. يقترح أحدهم دخول سوق يبدو جذابًا.
كل فرصة تخلق ضغطًا للاستجابة.
ولأن كل فرصة يمكن تبريرها بمفردها، يصبح رفض أي واحدة منها أمرًا صعبًا.
لكن تكلفة الفرص لا تقتصر على سعرها المالي.
فهي تستهلك وقت الإدارة، وقدرة الفرق، والموارد، والقدرة على تنفيذ الأولويات الأخرى بجودة عالية.
تكلفة اغتنام الفرصة ليست فقط ما تنفقه عليها.
بل تشمل أيضًا ما لن تستطيع تخصيص وقتك ومواردك له بسببها.
ولهذا قد تمتلك الشركة أشخاصًا متميزين، وميزانية جيدة، وطموحًا كبيرًا، ومع ذلك تجد صعوبة في التنفيذ.
قد تكون مواردها موزعة على اتجاهات أكثر مما ينبغي.
الانشغال لا يعني التقدم
من أكثر الأمور التي قد تضللنا في عالم الأعمال هو النشاط الذي يمكن رؤيته بسهولة.
حملات أكثر. اجتماعات أكثر. ميزات أكثر. أسواق أكثر. تقارير أكثر.
النشاط سهل الملاحظة.
أما التقدم، فقياسه أصعب.
قد ينشر فريق التسويق محتوى أكثر من دون أن يحسّن الطلب على المنتجات.
وقد يعقد فريق المبيعات اجتماعات أكثر من دون أن يخلق فرصًا تجارية أفضل.
وقد يطلق فريق المنتج ميزات إضافية من دون أن يجعل المنتج أكثر قيمة للعملاء.
في كل حالة، النشاط حقيقي والجهد كبير.
لكن نتيجة العمل قد تبقى كما هي.
هذا لا يعني أن كل مبادرة يجب أن تحقق نتائج مالية فورية. فبعض الاستثمارات تبني قدرات جديدة، أو تساعد على التعلم، أو تخلق مزايا تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها.
السؤال هو: هل يخدم هذا النشاط اختيارًا استراتيجيًا واضحًا؟
إذا لم تستطع شرح كيف تسهم المبادرة في الاتجاه الذي تسعى إليه الشركة، فهي تستحق مراجعة جادة.
ليس كل نشاط مفيد نشاطًا استراتيجيًا.
وليس كل هدف استراتيجي يحتاج إلى مزيد من الأنشطة.
أحيانًا، يكون القرار الصحيح هو التوقف عن عمل يستهلك الموارد من دون أن يدفع الشركة إلى الأمام بشكل ملموس.
التركيز لا يعني ببساطة أن تفعل أقل
هناك فرق مهم هنا.
قد تقلل الشركة عدد المشاريع التي تعمل عليها، ومع ذلك لا تمتلك تركيزًا حقيقيًا.
وقد تخفض الميزانيات من دون أن توضح اتجاهها.
وقد تختصر خارطة الطريق من دون أن تحدد ما الذي يجعلها مختلفة عن غيرها.
التركيز ليس مجرد تقليل حجم العمل.
إنه بناء ارتباط أقوى بين ما تريد الشركة تحقيقه، والطريقة التي تختار بها استخدام مواردها.
ويجب أن يظهر هذا الارتباط في القرارات اليومية.
عندما تظهر فرصة جديدة، ينبغي أن يعرف الفريق كيف يقيّمها.
وعندما تتعارض أولويتان، يجب أن يكون هناك أساس واضح للاختيار بينهما.
وعندما يفقد مشروع ما جدواه، ينبغي أن تستطيع الشركة إعادة النظر فيه من دون التعامل مع القرار الأصلي وكأنه لا يمكن تغييره.
الاستراتيجية ليست وثيقة تحمي القرارات من التغيير.
إنها إطار يساعد الناس على اتخاذ قرارات أفضل مع تغيّر الظروف.

ما الذي يجب أن نتوقف عن فعله؟
أجد هذا السؤال مفيدًا جدًا عند مراجعة استراتيجية أي شركة.
غالبًا ما نسأل عمّا ينبغي أن نبدأ بفعله.
ما السوق الجديد الذي يجب أن ندخله؟ ما المنتج الذي ينبغي أن نبنيه؟ ما القناة التي تستحق الاستثمار؟ ما القدرة التي يجب أن نطورها؟
كلها أسئلة مهمة.
لكن هناك مجموعة أخرى من الأسئلة تستحق القدر نفسه من الاهتمام:
ما الذي نفعله ولم يعد يخدم اتجاهنا؟
ما المبادرات التي نستمر فيها لمجرد أننا اعتدنا عليها؟
ما الفرص الجذابة التي تشتت تركيزنا؟
أين نوزع مواردنا على نطاق أوسع مما ينبغي؟
ما الذي سنتوقف عنه لو اضطررنا إلى تركيز جهودنا على أهم أمرين أو ثلاثة فقط؟
قد تكشف الإجابات عن جودة الاستراتيجية أكثر مما تكشفه قائمة أخرى من الأهداف الطموحة.
لأنها تظهر الفجوة بين ما تقول الشركة إنه مهم، وما تعطيه الأولوية فعلًا.
الاستراتيجية الجيدة تجعل اتخاذ القرار أسهل
الاستراتيجية الجيدة لا تلغي عدم اليقين.
الأسواق تتغير، والعملاء قد يتصرفون بطرق غير متوقعة، والمنافسون يتحركون، والافتراضات قد تثبت خطأها.
لا توجد استراتيجية تستطيع توقع كل شيء.
لكن الاستراتيجية الواضحة تمنح الناس أساسًا للتعامل مع هذه التغيّرات.
تساعدهم على التمييز بين فرصة تتوافق مع اتجاه الشركة، وأخرى تبدو جذابة فحسب.
وتمنح الفرق فهمًا مشتركًا لما يستحق الاهتمام أولًا.
كما تجعل المفاضلة بين الخيارات أسهل، لأن الشركة حددت مسبقًا ما الذي تحاول تحقيقه.
من دون هذا الوضوح، تتحول كل فرصة جديدة إلى نقاش جديد حول اتجاه الشركة.
أما بوجوده، فيتغير السؤال.
بدلًا من أن نسأل: «هل هذه فكرة جيدة؟»، نستطيع أن نسأل: «هل هذه الفكرة مناسبة لنا فعلًا، في ضوء ما اخترنا أن نعطيه الأولوية؟»
وهذا نقاش أكثر فائدة.
الاختبار الحقيقي للاستراتيجية
لو أردت أن أفهم استراتيجية شركة، فلن أبدأ بقراءة بيان رؤيتها أو مراجعة خارطة طريقها.
سأنظر إلى قراراتها.
أين تستثمر؟
ما الذي تحرص على حمايته؟
أي العملاء تعطيهم الأولوية؟
ما الذي ترفض التنازل عنه؟
وربما السؤال الأكثر كشفًا:
ما الذي قررت ألّا تسعى وراءه؟
لأن الاستراتيجية لا تظهر فقط في الأشياء التي تفعلها الشركة.
بل تظهر بالقدر نفسه في الأشياء التي تختار تركها خلفها.
جودة الاستراتيجية لا تُقاس بحجم الوعود التي تقدمها، بل بمدى وضوحها في تحديد ما يستحق أن يُنجز.




